محمد بن جرير الطبري
490
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بمنزلة ما يلبسه على جَسده من ثيابه ، فقيل لكل واحد منهما : هو " لباس " لصاحبه ، كما قال نابغة بني جعدة : إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا . . . تَدَاعَتْ ، فكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا ( 1 ) ويروي : " تثنت " فكنى عن اجتماعهما متجردين في فراش واحد ب " اللباس " ، كما يكنى ب " الثياب " عن جسد الإنسان ، كما قالت ليلى ، وهي تصف إبلا ركبها قومٌ : رَمَوْهَا بِأَثْوَابٍ خِفَافٍ ، فَلا تَرَى . . . لَهَا شَبَهًا إلا النَّعَامَ المُنَفَّرَا ( 2 ) يعني : رموها بأنفسهم فركبوها . وكما قال الهذليّ ( 3 ) تَبَرَّأُ مِنْ دَمِ القَتيلِ وَوَتْرِهِ . . . وَقَدْ عَلِقَتْ دَمَ القَتِيلِ إزَارُهَا ( 4 )
--> ( 1 ) الشعر والشعراء : 255 من أبيات جياد ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 67 ، وتأويل مشكل القرآن 107 ، وغيرها ، وقبله أَضَاءَتْ لَنَا النَّارُ وَجْهًا . . . أَغَرَّ مُلْتَبِسًا بِالفُؤَاءِ الْتِبَاسَا يُضِيءُ كَضَوْءِ سِرَاجِ السَّلِيطِ . . . لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيه نُحَاسَا بِآنسَةٍ غَيْرِ أنْسِ القِرَافِ وَتَخْلِطُ . . . بالأُنْسِ مِنْها شِمَاسَا وهو شعر كما ترى ( 2 ) المعاني الكبير 1 : 486 ، وتأويل مشكل القرآن : 107 وغيرهما . وقولهما : " رموها بأثواب " قالوا : تعني بأجسام خفاف ( المعاني ) والصواب في ذلك أن يقال : أن هؤلاء الركب قد لوحتهم البيد وأضتتهم ، فلم يبق فيهم إلا عظام معروقة عليها الثياب ، لا تكاد ترى إلا ثوبًا يلوح على كل ضار وضامر ، ولذلك شبهت الإبل عليها ركبها بالنعام المنفر . والمنفر : الذي ذعر فانطلق هاربًا يخفق في الأرض . ( 3 ) هو أبو ذؤيب الهذلي . ( 4 ) ديوانه : 26 ، والمعاني الكبير : 483 ، ومشكل القرآن : 108 وغيرها . من قصيدة له عجيبة ، يرثى بها صديقه وحميمه نشيبة بن محرث ، استفتحها متغزلا مشببًا بصاحبته أم عمرو ، واسمها فطيمة ، وقال قبل هذا البيت ، يلوم نفسه على هجرها ويقول : فَإنَّكَ مِنْهَا والتَّعَذُّرَ ، بَعْدَ مَا . . . لَجِجْتَ ، وشطَّتْ مِنْ فُطَيْمَةَ دَارُهَا كَنَعْتِ الَّتِي ظَلَّت تُسَبِّع سُؤْرَهَا . . . وَقَالتْ : حَرَامٌ أنْ يرَجَّلَ جَارُهَا تبرَّأُ مِنْ دَم القَتِيل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يقول أنت في انتفاءك من حبها بعد اللجاجة فيه ، كهذه المرأة التي قتلت قتيلا وحازت بزه ، أي سلاحه ، وأخفته . قال الأصمعي في خبر هذه المرأة : هذه امرأة نزل بها رجل فتحرجت أن تدهنه وترجل شعره ، ثم جاء كلب فولغ في إنائها فغسلته سبع مرات . وذلك بعين الرجل ، فتعجب منها ومن ورعها . فبينا هو كذلك ، أتاها قوم يطلبون عندها قتيلا ، فانتفلت من ذلك - أي أنكرت - وحلفت . ثم فتشوا منزلها ، فوجدوا القتيل وسلاحه في بيتها " . يقول أنت كهذه المرأة ، تجحد حب صاحبتك ، وتظهر أنك قد كبرت وانتهيت عن الجهل والصبا ، ولو فتش قلبك . لرأوا حبك لها لا يزال يتأجج ويشتعل .